أحمد بن محمد مسكويه الرازي
204
تجارب الأمم
أجد عندهم رأيا ولا عقولا ، ولا أحلاما ، ووجدتهم أصحاب بغى وحسد وكلب وحرص وشحّ وسوء تدبير وجهالة ولؤم عهد وقلَّة مكافأة . وهذه أمور لا تصلح عليها ولاية ، ولا تتمّ بها نعمة . » [ 1 ] وقرأت مع هذه السيرة في آخر هذا الكتاب ، الذي كتبه أنوشروان في سيرة نفسه ، أنّ أنوشروان لمّا فرغ من أمور المملكة وهذّبها ، جمع إليه الأساورة مع القوّاد والعظماء والمرازبة والنسّاك والموابذة وأماثل الناس معهم ، فخطبهم فقال : خطبة أنوشروان « أيّها الناس ! أحضرونى فهمكم ، وأرعونى [ 2 ] أسماعكم ، وناصحونى أنفسكم ، [ 208 ] فانّى لم أزل واضعا سيفي على عنقي - منذ وليت عليكم - غرضا للسيوف والأسنّة ، كل ذلك للمدافعة عنكم والإبقاء عليكم ، وإصلاح بلادكم مرة بأقصى المشرق ، وتارة في آخر المغرب ، وأخرى في ناحية الجنوب ، ومثلها في جانب الشمال . ونقلت الذين اتهمتهم إلى غير بلادهم ، ووضعت الوضائع في بلدان الترك ، وأقمت بيوت النيران بقسطنطينية ، ولم أزل أصعد جبلا شامخا وأنزل عنه ، وأطأ حزونه [ 3 ] بعد سهولة ، وأصبر على
--> [ 1 ] . قال ابن الأثير ، بعد ذكر كلمات من أنوشروان في الحكمة وإصلاح أمر الخراج : فانظر إلى هذا الكلام الذي يدلّ على زيادة العلم وتوفر العقل والقدرة على منع النفس ، ومن كان هذا حاله استحق أن يضرب به المثل في العدل إلى أن تقوم الساعة ( 1 : 475 ) . [ 2 ] . أرعونى : أرعى فلانا سمعه : أصغى إليه واستمع لكلامه . [ 3 ] . الحزون : جمع الحزن : ما غلظ من الأرض .